المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عائد الى حيفا/الرواية كاملة/اهداء للغالية ام البنين



عزة جبر
09-10-2005, 11:07 PM
كنت قد تحدثت في موضوع لاحق لاختي الغالية ام البنين عن رواية عائد إلى حيفا للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني
وقد طلبت مني ام البنين وضع ملخص للرواية
وحتى لا يضيع عليكم التشويق قررت ان اضع الرواية كاملة على اجزاء
اتمنى ان تعجب الجميع

لكم مني كل الاحترام والتقدير

عزة جبر
09-10-2005, 11:08 PM
عائد الى حيفا
حين وصل سعيد.س إلى مشارف حيفا قادماً اليها بسيارته عن طريق القدس احس ان شيئاً ما ربط لسانه، فالتزم الصمت وشعر بالأسى يتسلقه من الداخل. وللحظة واحدة راوته فكرة ان يرجع، ودون ان ينظر اليها كان يعرف انها اخذه بالبكاء الصامت، وفجأة جاء صوت البحر، تماماً كما كان. كلا لم تعد اليه الذاكرة شيئاً فشيئاً. بل انهالت في داخل رأسه، كما يتساقط جدار من حجارة ويتراكم بعضه فوق بعض. لقد جاءت الأمور والأحداث فجأة، واخذت تتساقط فوق بعضها وتملأ جسده وقال لنفسه ان (صفية) زوجته تحس الشيء ذاته وانها لذلك تبكي.
منذ ان غادر رام الله في الصباح لم يكف عن الكلام، ولا هي كفت، كانت الحقول تتسرب تحت نظره عبر زجاج سيارته، وكان الحر لا يطاق فقد أحس بجبهته تلتهب، تماما كما كان الأسفلت يشتعل تحت عجلات سيارته، وفوقه كانت الشمس شمس حزيران الرهيب تصب قار غضبها على الأرض.
طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم ويتكلم، تحدث إلى زوجته عن كل شيء عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة مندلبوم التي هدمتها الجرارات وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات وعن وقف اطلاق النار والراديو ونهب الجنود للاشياء والاثاث، ومنع التجوال وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق، والجار الذي لمّ اغراضه وهرب، والجنود العرب الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تلة تقع قرب مستشفى اوغستا فكتوريا والرجال الذي خلعوا بزاتهم وقاتلوا في شوارع القدس والفلاح الذي اعدموه لحظة رأوه قرب أكبر فنادق رام الله وتحدثت زوجته عن أمور كثيرة أخرى، طوال الطريق لم يكفا عن الحديث والان حين وصلا إلى مدخل حيفا صمتا معاً واكتشفا في تلك اللحظة انهما لم يتحدثا حرفاً واحداً عن الأمر الذي جاءا من أجله.
هذه هي حيفا إذن بعد عشرين سنة.
ظهر يوم الثلاثين من حزيران 1967 كانت سيارة الفيات الرمادية التي تحمل رقماً اردنياً ابيض تشق طريقها نحو الشمال عبرا لمرج الذي كان اسمه مرج بن عامر قبل عشرين سنة وتتسلق الطريق الساحلي نحو مدخل حيفا الجنوبي وحين عبر الشارع ودخل الى الطريق الرئيسي انهار الجدار كله وضاعت الطريق وراء ستار من الدموع ووجد نفسه يقول لزوجته صفية: (هذه هي حيفا يا صفية)
وأحس المقود ثقيلاً بين قبضتيه اللتين اخذتا تنضحان العرق اكثر من ذي قبل وخطر له ان يقول لزوجته (انني اعرفها حيفا هذه ولكنها تنكرني) ولكنه غير رأيه فقبل قليل فقط كانت فكرة قد قطرت له وقالها لزوجته: (اتعرفين طوال عشرين سنة كنت اتصور ان بوابة مندلبوم ستفتح ذات يوم ولكن ابدا ابدا لم اتصور انها ستفتح من الناحية الاخرى لم يكن ذلك يخطر لي على بال. ولذلك فحين فتحوها هم بدا لي الأمر مرعبا وسخيفا والى حد كبير مهيمنا تماماً، قد اكون مجنوناً لو قلت لك ان كل الأبواب يجب أن تفتح الا من جهة واحدة وانها اذا فتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال ولكن تلك هي الحقيقة)
والتفت إلى زجته الا انها لم تكن تسمع كانت منصرفة الى التحديق نحو الطريق تارة الى اليمين حيث كانت المزارع تمتد على مدى البصر وتارة الى اليسار حيث كان البحر الذي ظل بعيدا اكثر من عشرين سنة يهدر على القرب وقالت فجأة: (لم أكن اتصور ابداً انني سأراها مرة أخرى)
وقال: (أنت لا ترينها انهم يرونها لك)
وعندها فقط فقدت اعصابها كان ذلك يحدث للمرة الأولى وصاحت فجأة: (ما هذه الفلسفة التي لم تكف عنها طول النهار؟ الأبواب الرؤيا وأمور أخرى ماذا حدث لك؟)
- (ماذا حدث لي؟)
قالها لنفسه وهو يرتجف ولكنه تحكم باعصابه وعاد يقول لها بهدوء:
- (لقد فتحوا الحدود فور ان انهوا الاحتلال فجأة وفوراً لم يحدث ذلك في أي حرب في التاريخ اتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948 والان بعد لماذا؟ لسواد عينيك وعيني؟ لا ذلك جزء من الحرب انهم يقولون لنا تفضلوا انظروا كيف اننا احسن منكم وأكثر رقيا عليكم ان تقبلوا ان تكونوا خدماً لنا، معجبين بنا ولكن رأيت بنفسك لم يتغير شيء كان بوسعنا أن نعجلهم أحسن بكثير)
- (اذن لماذا أتيت؟)
- ونظر اليها بحنق فصمتت.
كانت تعرف، فلماذا تسأل؟ وهي التي قالت له ان يذهب فطوال عشرين سنة تجنبت الحديث عن ذلك عشرين سنة ثم ينبثق الماضي كما يندفع البركان...
وحين كان يقود سيارته وسط شوارع حيفا كانت رائحة الحرب ما تزال هناك بصورة ما، غامضة ومثيرة ومستفزة، وبدت له الوجوه قاسية ووحشية وبعد قليل اكتشف انه يسوق سيارته في حيفا دون أن يشعر بأن شيئاً في الشوارع قد تغير كان يعرفها حجراً حجراً ومفرقاً وراء مفرق، فلطالما شق تلك الطريق بسيارته الفورد الخضراء موديل 1946 انه يعرفها جيداً والآن يشعر بأنه لم يتغيب عنها عشرين سنة، وهو يقود سيارته كما كان يفعل كما لو أنه لم يكن غائباً طوال تلك السنوات المريرة.
وأخذت الأسماء تنهال في رأسه كما لو انها تنفض عنها طبقة كثيفة من الغبار وادي النسناس، شارع الملك فيصل، ساحة الحناطير، الحليصة، الهادار، واختلطت عليه الأمور فجأة ولكنه تماسك وسأل زوجته بصوت خافت: (حسناً من أين نبدأ؟)
ولكنها ظلت صامتة، وسمع صوتها الخافت يبكي بما يشبه الصمت وقدر لنفسه العذاب الذي تعانيه، وعرف أنه لا يستطيع معرفة العذاب على وجه الدقة، ولكنه يعرف أنه عذاب كبير ظل هناك عشرين سنة، وانه الآن ينتصب عملاقاً لا يصدق في احشائها ورأسها، وقلبها، وذاكرتها، وتصوراتها ويهيمن على كل مستقبلها واستغرب كيف انه لم يفكر أبداً بما يمكن ان يعنيه ذلك العذاب، وبمدى ما هو غارق في تجاعيد وجهها وعينيها وعقلها، وكم كان معها في كل لقمة اكلتها، وفي كل كوخ عاشت فيه، وفي كل نظرة رمتها على أولادها وعلى نفسه، والآن ينبثق ذلك كله من بين الحطام والنسيان والأسى ويأتي على ركام الهزيمة المريرة التي ذاقها مرتين على الأقل في حياته.
وفجأة جاء الماضي حاداً مثل سكين كان ينعطف بسيارته عند نهاية شارع الملك فيصل (فالشوارع بالنسبة له لم تغير اسماءها بعد، متجهاً نحو التقاطع الذي ينزل يساراً إلى الميناء ويتجه يميناً نحو الطريق المؤدي إلى وادي النسناس حين لمح مجموعة من الجنود المسلحين يقفون على المفترق امام حاجز حديدي وحين كان يرمقهم بطرف عينيه صدر صوت انفجار ما من بعيد، اعقبته طلقات رصاص وفجأة أخذ المقود يرتجف بين يديه، وكاد ان يرطم الرصيف وتماسك في اللحظة الأخيرة وشهد صبياً يعدو عبر الطريق وعندها جاء الماضي الراعب بكل ضجيجه، ولأول مرة منذ عشرين سنة تذكر ما حدث بالتفاصيل وكانه يعيشه مرة أخرى.
صباح الأربعاء، 21 نيسان عام 1948.
كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئاً رغم انها كانت محكومة بتوتر غامض.
وفجأة جاء القصف من الشرق من تلال الكرمل العالية ومضت قذائف المورتر تطير عبر وسط المدينة لتصب في الاحياء العربية.
وانقلبت شوارع حيفا الى فوضى واكتسح الرعب المدينة التي اغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها....
كان سعيد في قلب المدينة حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا، كان قد ظل حتى الظهر غير متوقع ان يكون ذلك هو الهجوم الشامل وعندها فقط حاول للوهلة الأولى أن يعود الى البيت بسيارته، الا انه ما لبث أن اكتشف استحالة ذلك، فمضى عبر شوارع فرعية محاولاً اجتياز الطريق الى الحليصة حيث يقع منزله، الا أن القتال كان قد استع، وصار يرى الرجال المسلحين يندفعون من الشوارع الفرعية الى الرئيسية وبالعكس، وكانت تحركاتهم تسير وفق توجيهات بمكبرات الصوت تنبثق هنا وهناك وبعد لحظات شعر سعيد انه يندفع دونما اتجاه، وان الأزقة المغلقة بالمتاريس أو بالرصاص أو بالجنود انما تدفعه دون ان يحس، نحو اتجاه وحيد، وفي كل مرة كان يحاول العودة الى وجهته الرئيسية، منتقياً أحد الازقة، كان يجد نفسه كأنما بقوة غير مرثية يرتد إلى طريق واحد ذلك هو المتجه نحو الساحل.
كان قد تزوج قبل عام واربعة أشهر من صفية واستأجر بيته الصغير في تلك المنطقة التي حسب انها ستكون اوفر أمناً، وفجأة يشعر الآن بأنه لا يستطيع الوصول اليه، كان يعرف أن زوجته الصغيرة لا تستطيع أن تتدبر أمرها، فمنذ جاء بها من الريف لم تعتد ان تقبل العيش في المدينة الكبيرة، أو أن تكيف نفسها مع ذل التعقيد الذي كان يبدو رعباً لها، وغير قابل للحل ترى ما الذي يمكن ان يحدث لها الآن؟ كان ضائعاً تقريباً، ولم يكن يعرف على وجه التعيين اين يحدث القتال وكيف، وفي كل حدود علمه أن الانكليز كانوا ما زالوا يسيطرون على المدينة وأن الأحداث في شكلها النهائي كان مقدراً لها أن تقع بعد ثلاثة أسابيع تقريباً حين يشرع البريطانيون في الانسحاب حسب الموعد الذي حدوده.
ولكنه فيما كان يسارع الخطو كان يعرف تماماً أن عليه أن يتجنب المناطق المرتفعة المتصلة بشارع هرتزل، حيث كان اليهود يتمركزون منذ البدء، ومن ناحية أخرى كان عليه أن يبتعد عن المركز التجاري الذي يقع بين حارة الحليصا وبين شارع اللنبي فقد كان ذلك المركز نقطة القوة في السلاح اليهودي.
وهكذا اندفع محاولاً الدوران حول المركز التجاري كي يصل الى الحليصا، وكانت أمامه طريق تنتهي بوادي النسناس وتمر عبر المدينة القديمة.
وفجأة اختلطت عليه الأمور وتشابكت الأسماء الحليصا، وداي وشيما، البرج، المدينة القديمة، وادي النسناس، شعر أنه ضائع تماماً وأنه قد فقد وجهة سيره كان القصف قد اشتد ورغم انه كان بعيداً بعض الشيء عن مراكز اطلاق النار الا انه استطاع ان يميز الجنود البريطانيين يسدون بعض المنافذ ويفتحون منافذ اخرى.
ويبدو أنه بصورة ما وجد نفسه في المدينة القديمة، ومنها اندفع كأنما بقوة لا يعرفها، نحو جنوب شارع ستانتون، وكان يعرف الآن أنه يبعد أقل من مئتي متر عن شارع الحلول وبدأ يشم رائحة البحر.
وعندها فقط تذكر (خلدون) الصغير، ابنه الذي اتم في ذلك اليوم بالذات شهره الخامس، وانتابته فجأة قلق غامض ذلك هو الشيء الوحيد الذي مازال يحس طعمه تحت لسانه، حتى في هذه اللحظات التي تبعد عشرين سنة عن المرة الأولى التي حدث فيها ذلك.
هل كان يتوقع تلك الفجيعة؟ الأمور هنا تختلط الماضي يتداخل مع الحاضر، وهما يتداخلان مع أفكار واوهام وتخيلات ومشاعر عشرين سنة لاحقة هل كان يعرف؟ هل أحس ذلك الشيء الفاجع قبل أن يحدث احياناً يقول لنفسه: "بلى عرفت ذلك قبل ان يحدث) واحيانا اخرى يقزل لنفسه: (لا انا اصور ذلك بعد ان اتوقع شيءا مروعا من ذلك النوع).
كانا لمساء قد بدأ يخيم على المدينة ليس يدري كم من الساعات امضى وهو يركض في شوارعها مرتداً عن شارع الى شارع، اما الآن فقد بات واضحاً يدفعونه نحو الميناء، فقد كانت الازقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماماً وكان اذ يحاول الاندفاع في احدها ليتدبر امر عودته الى بيته، يزجرونه بعنف، احياناً بفوهات البنادق واحياناً بحرابها.
كانت السماء نادراً تتدفق باصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب وكأنما هذه الأصوات نفسها كانت تدفعهم نحو الميناء ورغم أنه كان غير قادر على التركيز على ايما أمر معين، الا انه رأى كيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة، كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيسي المتجه الى الميناء، رجالاً ونساء واطفال، يحملون اشياء صغيرة او لا يحملون، يبكون او يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح، وضاع بن امواج البشر المتدفقة وفقد القدرة على التحكم بخطواته انه ما يزال يذكر كيف انه كان يتجه نحوا لبحر وكانه محمول وسط الزحام الباكي، المذهول غير قادر على التفكير في أي شيء وفي رأسه كان ثمة صورة واحدة معلقة كانما على جدار زوجته صفيه وابنه خلدون.
لقد مضت اللحظات بطيئة وقاسية وتبدو الآن مجرد كابوس ثقيل لا يصدق اجتاز البوابة الحديدية للميناء حيث كان جنود بريطانيون يزجرون الناس ومن هناك رأى اكوام البشر تتساقط فوق الزورق الصغير المنتظر في الماء قرب الرصيف دون ان يعرف ماذا يجب عليه ان يفعل قرر الا يصل الى الزورق وفجأة –كمن اصيب بالجنون، او كمن عاد اليه عقله دفعة واحدة بعد جنون طويل- استدار وسط الزحام واخذ يدافعه محاولا بكل ما فيه من قوة مستنزفة ان يشق طريقه وسطه عكسه نحو البوابة الحديدية.
مثل من يسبح ضد سيل هادر ينحدر من جبل شديد العلو اخذ سعيد يشق طريقه بكتفيه وذراعيه وساقيه ورأسه يجره التيار خطوات الى الوراء فيعود ويتقدم مندفعاً بشيء من الوحشية مثل حيوان طريد يشق طريقاً مستحيلاً في دغل كثيف متشابك، وفوقه كان الدخان والعويل ودوي القنابل وزخات الرصاص تمتزج اصواتها بالصراخ وهدير البحر وزحف الخطوات الضائعة وضرب المجاذيف سطح الموج...
هل حقاً مضى على ذلك عشرون سنة؟
كان العرق يتصبب بارداً على جبين سعيد وهو يقود سيارته صاعداً المنحدر لقد حسب ان تلك الذاكرة لن تعود بهذا الصخب المجنون الذي لم يكن لها الا لحظات حدوثها ومن طرفي عينيه نظر الى زوجته كان وجهها مشدوداً أميل الى الاصفرار وكانت عيناها تتدفقان بالدموع لا ريب انها –قال لنفسه- تستعيد خطواتها ذلك اليوم ذاته، حين كان هو اقرب ما يكون الى البحر وكانت هي أقرب ما تكون الى الجبل، وبينهما يمد الرعب والضياع خيوطها غير المرئية فوق مستنقع من الصراخ والخوف والمجهول.
كانت –كما قالت له أكثر من مرة في السنوات الماضية- تفكر به وحين دوى الرصاص انطلق الناس يقولون ان الانكليز واليهود اخذوا يكتسحون حيفا راودها خوف يائس.
كانت تفكر به عندما جاءت اصوات الحرب من وسط المدينة حيث تعرف انه هناك، وكانت تشعر انها اكثر امناً فالتزمت البيت فترة، وحين طال غيابه هرعت الى الطريق دون ان تدري على وجه التحديد ما الذي كانت تريده.
في البدء كانت تطل من الشباك، ومن الشرفة، وكأنها شعرت الآن ان الأمر قد تغير تماماً، اذ بدأت النار تنهمر بغزارة بدءاً من الظهر من التلال الواقعة فوق الحليصا وأحست أنها محاصرة كلياً، وعندها فقط أخذت تعدو نازلة الدرج، واندفعت على طول الطريق نحو الشارع الرئيسي، وكان استعجالها لرؤيته قادماً يختصر خوفها عليه، وقلقها من المصير المجهول الذي كان يحمل الف احتمال مع كل رصاصة تطلق، وحين وصلت إلى أول الطريق اخذت ترقب السيارات المندفعة بسرعة، وقادتها خطواتها من سيارة الى اخرى، ومن رجل إلى آخر تسأل دون أن تحصل على اجابة وفجأة رأت نفسها في موج الناس يدفعونها وهم يندفعون من شتى ارجاء المدينة في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده، كأنها محمولة على نهر متدفق مثل عود من القش.
كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن خلدون الصغير ما زال في سريره في الحليصا؟
ليست تتذكر تماماً، ولكنها تعرف أن قوة لا تصدق سمرتها في الأرض، فيما أخذ السيل الذي لا ينتهي من الناس يمر حولها ويتدافع على جانبي كتفيها وكأنها شجرة انبثقت فجأة في مجرى سيل هائل من الماء وارتدت هي الأخرى تدافع ذلك السيل بكل قوتها، وأمام عجزها وتعبها اخذت تصرخ بكل ما في حنجرتها من قوة، ولم تكن كلماتها الطائرة فوق ذلك الزحام الذي لا ينتهي لتصل إلى أي اذن لقد رددت كلمة (خلدون) الف مرة مليون مرة، وظلت شهوراً بعد ذلك تحمل في فمها صوتاً مبحوحاً مجروحاً لا يكاد يسمع وظلت كلمة خلدون نقطة واحدة لا غير تعوم ضائعة وسط ذلك التدافق اللانهائي من الأصوات والأسماء.
وكانت على وشك السقوط وسط الأقدام حين سمعت كمن يحلم صوتاً ينبثق من الأرض، ويناديها باسمها وحين رأت وجهه وراءها يتفصد بالعرق والغضب والارهاق أحست هول الفاجعة أكثر من أي وقت مضى واكتسحها حزن يشبه الطعنة التي ملأتها بطاقة من العزم لا حدود لها وقررت ان تعود بأي ثمن ولربما احست بأنها لن تستطيع الى الابد النظر إلى عيني سعيد او تركه يلمسها، وفي اعماقها شعرت أنها على وشك ان تفقد الاثنين معاً: سعيد وخلدون، فمضت تشق طريقها بكل ما في ذراعيها من قوة وسط الغاب الذي كان يسد في وجهها طريق العودة، محاولة في الوقت نفسه ان تضيع سعيد، الذي أخذ دون ان يعي ينادي صفية تارة وينادي خلدون تارة أخرى.
هل مضت اجيال وازمنة قبل ان تحس بكفيه القويتين المتيبستين تشدان على ذراعها؟
وفجأة نظرت في عينيه وأحست بشيء يشبه الشلل يسقطها على كتفه كخرقة بالية لا قيمة لها وحولهما مضت سيول البشر تتقاذفهما من جهة إلى أخرى وتدفعهما أمامها نحو الشاطئ ولكنهما لم يكونا بعد قادرين على الأحساس بأي شيء وفقط حين عومهما الرذاذ المتطاير من تحت خشب المجاذيف ونظرا إلى الشاطئ حيث كانت حيفا تغيم وراء غبش المساء وغبش الدموع...............

لجين أبو الدهب
09-11-2005, 05:04 AM
السلام عليكم
بدايتها جميلة يا اختى الحبيبة عزة
ولكن لى طلب
ينفع يتفلل المقدار شوية علشان نقدر نتابع
وجزاكم الله كل الخير على تعبك ومجهودك
ودمتم سالمين

عزة جبر
09-11-2005, 02:50 PM
السلام عليكم
بدايتها جميلة يا اختى الحبيبة عزة
ولكن لى طلب
ينفع يتفلل المقدار شوية علشان نقدر نتابع
وجزاكم الله كل الخير على تعبك ومجهودك
ودمتم سالمين

العزيزة لجين
اشكرك غاليتي وان شاء الله الجزء القادم راح يكون اقل


لك مني كل الاحترام والتقدير
::warda:: ::warda:: ::warda::

عزة جبر
09-13-2005, 11:46 AM
انا مش عارفة اكمل الرواية والا لأ

يعني لو مش عاجبة حد بلاش اكملها :sad:


ولو عجبتكم احكولي اكملها او لا



وتقديري للجميع

(أم البنين)
09-14-2005, 11:29 AM
يا حبيبتي في الله يا عزه:kiss:
جزاك الله خيرا
أنت رائعه#21
طبعا كملي
أنا أحبك في اللهbye
وسننتظر اكمال الروايه
ربنا يخليك لنا يا رب ويفرحك ببنوتتك

خضره خضرايه الحاره
09-15-2005, 07:34 AM
منتظرا البقيه

القصه فى بدايتها جميله حقا اكمليها

بس يا ريت فعلا تقللى مقدارالمره الواحده ولكى جزيـــــــــــــــــــــل الشكر::warda::

عزة جبر
09-15-2005, 06:14 PM
يا حبيبتي في الله يا عزه:kiss:
جزاك الله خيرا
أنت رائعه#21
طبعا كملي
أنا أحبك في اللهbye
وسننتظر اكمال الروايه
ربنا يخليك لنا يا رب ويفرحك ببنوتتك


الغالية ام البنين اشكرك جدا
وانا كمان احبك في الله
وان شاء الله تفرحي باولادك يا رب وتشوفيهم احسن الناس



وخليكي معانا في الرواية
وياريت لو في اي استفسار
انا جاهزة
او حتى لو يكون هناك نقاش في نهاية الرواية






ام البنين اتفضلي
::warda:: ::warda:: ::warda:: ::warda::

عزة جبر
09-15-2005, 06:15 PM
منتظرا البقيه

القصه فى بدايتها جميله حقا اكمليها

بس يا ريت فعلا تقللى مقدارالمره الواحده ولكى جزيـــــــــــــــــــــل الشكر::warda::


اهلا يا خضرة

واشكرك على الرد
وخليكي معانا الى نهاية الرواية
::warda:: ::warda:: ::warda:: ::warda::

لجين أبو الدهب
09-16-2005, 03:38 PM
عزة
فاين باقية الرواية ياغالية ؟؟::warda:: ::warda:: ::warda::

عزة جبر
09-17-2005, 01:18 PM
عزة
فاين باقية الرواية ياغالية ؟؟::warda:: ::warda:: ::warda::


العزيزة لجين
البقية في الطريق ان شاء الله
الليلة راح انزل جزء جديد ادعيلي ::warda::

عزة جبر
09-17-2005, 09:28 PM
طوال الطريق من رام الله الى القدس الى حيفا ظل يتحدث عن كل شيء، لم يكف قط عن الحديث، ولكنه حين وصل إلى أول (بيت غاليم) ربط الصمت لسانه. وها هو الآن في حليصة يسمع أصوات عجلات سيارته تسير مثلما كانت دائماً، وكان النبض الصعب لقلبه المتوثب يضيعه بين الفينة والأخرى، لقد تضاءلت عشرون سنة من الغياب، وها هي الأمور تعود فجأة عودة لا تصدق وراء ظهر العقل والمنطق تراه عما يبحث؟
قبل أسبوع قالت له صفية وهما في منزلهما في رام الله: (انهم يذهبون إلى كل مكان الا نذهب إلى حيفا؟) وكان عندها يتناول عشاءه ورأى يده تقف تلقائياً بين الحصن وبين فمه، ونظر نحوها بعد برهة فرآها تستدير كي لا يقرأ شيئاً في عينيها، ثم قال: (نذهب إلى حيفا....لماذا؟)
وجاء صوتها خافتاً: (نرى بيتنا هناك فقط نراه)
واعاد لقمته إلى الصحن وقام فوقف أمامها كان رأسها يتكئ على صدرها كمن يريد أن يعترف بذنب غير متوقع. فوضع أصابعه تحت ذقنها ورفع رأسها فإذا بعينيها تنضحان بدموع غزيرة فسألها بحنو: (صفية بماذا تفكرين؟)
هزت رأسها موافقة دون أن تقول شيئاً فقد عرفت أنه يعرف، وربما كان هو الآخر يفكر طول الوقت بذلك وينتظرها أن تبادئ كي لا تشعر بأنها –كما كانت تشعر دائماً- هي التي ارتكبت تلك الفجيعة التي شجرت في قلبيهما معاً، فهمس بصوت مبحوح: (خلدون؟)
واكتشف على التو أن ذلك الاسم لم يلفظ قط في تلك الغرفة منذ زمن طويل وانهما في المرات القليلة التي تحدثا عنه كانا يقولان (هو) بل انهما تجنبا تسمية أي من اولادهما الثلاثة ذلك الاسم وان كانا قد اطلقا على اكبرهم اسم خالد وعلى البنت التي انجباها بعد ذلك بعام ونصف خالدة، بل أن اولادهما لم يعرفا قط ان لهما اخاً اسمه خلدون، وهو نفسه ينادونه أبا خالد واصدقاؤه القدامى اتفقوا على القول بان خلدون قد مات فكيف يمكن للأمور أن تندفع من الباب الخلفي على هذه الصورة الفريدة؟
وظل سعيد واقفاً هناك وكأنه نائم في مكان بعيد الا انه التقط نفسه بعد هنيهة وأخذ يخطو عائداً إلى طاولته وقبل ان يجلس قال لها: (أوهام يا صفية أوهام، لا تتركي لنفسك أن تخدعك على هذه الصورة المحزنة، أنت تعرفين كم سألنا وكم حققنا، وتعرفين قصص الصليب الأحمر ورجال الهدنة والأصدقاء الأجانب الذين بعناهم إلى هناك لا لا اريد الذهاب إلى حيفا ان ذلك ذل وهو ان كان ذلا واحداً لأهل حيفا فبالنسبة لي ولك هو ذلان لماذا نعذب انفسنا؟)
وأخذ صوت نشيجها يعلو شيئاً فشيئاً ولكنها التزمت الصمت، وامضيا تلك الليلة دونما كلمة يستمعان معاً إلى أصوات الأحذية العسكرية تقرع الطريق، وإلى الراديو يظل يعطي الأوامر.
وحين مضى إلى فراشه كان يعرف –في اعماقه- ان لا فرار وأن الفكرة التي كانت هناك طوال عشرين سنة قد ولدت، ولا سبيل لدفنها من جديد، ورغم أنه كان يعرف أن زوجته لم تنم وأنها أمضت كل ذلك الليل تفكر في الأمر نفسه إلا أنه لم يبادلها أيه كلمة وفي الصباح قالت له بهدوء: (إذا أردت أن تذهب فخذني معك، لا تحاول يا سعيد أن تذهب وحدك)
أنه يعرف صفية جيداً، ويعرف أنه تدرك تماماً كل فكرة تعبر رأسه وهذه المرة أيضاً قاطعته وهو في منتصف الطريق فقد قرر الليلة أن يذهب وحده وها هي تكشف قراره من تلقائها وتمنعه.
وظل الأمر كله معلقاً في سقف ايامهما ولياليهما طوال أسبوع، يأكلانه مع طعامهما، ويعلكانه وينامان معه ولكنهما لم يتكلما حوله أبداً وليلة امس فقط قال لها: (لنذهب إلى حيفا غداً، نتفرج عليها على الأقل، وقد نمر قرب بيتنا هناك، أنا أعرف انهم سيصدرون قريباً قراراً يمنع ذلك كله، فحساباتهم لم تكن صحيحة)
وصمت قليلاً وليس يدري أن كان راغبا حقاً في تغيير الموضوع اذ سمع نفسه يمضي في كلام آخر: (في القدس ونابلس وهنا يتحدث الناس كل يوم عن نتائج زياراتهم إلى يافا وعكا وتل ابيب وحيفا وصفد وقرى الجليل والمثلث، كلهم يقولون كلاماً متشابهاً ويبدو أن افكار كل منهم كانت احسن مما رأوا بأم اعينهم، جميعهم عادوا يحملون خيبة كبيرة، ان المعجزة التي يتحدث عنها اليهود لم تكن إلا وهما في البلد هنا ردة فعل سيئة جداً، وهو عكس ما أرادوه حين فتحوا حدودهم أمامنا، لذلك فأنا أتوقع يا صفية أن يلغوا ذلك القرار قريباً جداً وهكذا قلت لنفسي لماذا لا نقتنص الفرصة ونذهب؟)
وحين نظر إلى صفية رآها ترتجب وشهد وجهها يميل بوضوح للإصفرار فخرج من الغرفة إذ أحس هو الآخر بدموع حارقة تسد حلقة، ومنذ تلك اللحظة لم يكف اسم خلدون عن الدق في رأسه تماماً مثلما كان قبل عشرين سنة حين سمعه يدق المرة تلو الأخرى فوق الزحام المتدفق أمام مياه الميناء الباكية، ولا شك أنه كان كذلك بالنسبة لصفية، وقد تحدثا طوال الطريق عن كل شيء الا عن خلدون، وقرب بيت غاليم فقط التزاما الصمت، وها هما الآن ينظران صامتين إلى الطرق التي يعرفانها جيداً والملتصقة في رأسيهما كقطع من لحمهما وعظامهما.
ومثلما كان يفعل قبل عشرين سنة تماماً، خفف سرعة سيارته إلى حدها الأدنى قبل أن يصل إلى ذلك المنعطف الذي يعرف أن سفحاً صعباً يكمن وراءه وانعطف بسيارته كما كان يفعل دائماً وتسلق السفح متحفظاً بالموقع الصحيح في الطريق الذي أخذ يضيق، وكانت أشجار السرو الثلاث التي تنحني قليلاً فوق الشارع قد مدت أغصاناً جديدة ورغب أن يتوقف لحظة كي يقرأ على جذوعها أسماء محفورة منذ زمن، ويكاد يتذكرها واحداً واحداً، ولكنه لم يفعل وليس يدري كيف حدث الأمر ولكنه بصورة ما تذكر حين مر قرب باب يعرفه شخصاً من بيت الخوري كان يسكن هنا، وكانت عائلته تمتلك بناية كبيرة جنوب طريق ستانتون، قرب شارع الملوك وفي تلك البناية –يوم الفرار تمترس المقاتلون العرب وقاتلوا حتى آخر رصاصة وربما آخر رجل وقد مر قرب تلك البناية حين كان يندفع نحو الميناء بقوة تفوقه مقدرة، وتذكر الآن بالضبط انه هناك وهناك فقط سقطت عليه الذاكرة كما لو انه ضرب بحجر، وهناك بالضبط تذكر خلدون وانقبض يومها قبل عشرين سنة ومازال والآن يزداد نبضه قوة حتى يكاد ان يسمعه.
وفجأة أطل المنزل المنزل ذاته ذلك الذي عاش فيه ثم عيشه في ذاكرته طويلاً، وها هو الآن يطل بمقدمة شرفاته المطلية باللون الأصفر.
ولوهلة خيل إليه أن صفية شابة ذات شعر مجدل طويل ستطل عليه من هناك، كان حبلاً جديداً للغسيل قد دق على وتدين خارج الشرفة، وتدلت منه قطع بيضاء وحمراء لغسيل جديد، وفجأة أخذت صفية تبكي بصوت مسموع، أما هو فقد انحرف إلى اليمين، وترك عجلات سيارته تصعد الرصيف الواطئ، ثم أوقف السيارة في المكان الذي لها كما كان يفعل تماماً منذ عشرين سنة.
تردد سعيد هنيهة صغيرة فقط وهو يطفئ محرك سيارته ولكنه كان يعرف في اعماقه أنه لو ترك نفسه يتردد فترة أطول لانتهى الأمر، لنفسه ولزوجته يبدو طبيعياً للغاية كما لو أن العشرين سنة الماضية وضعت بين مكبسين جبارين وسحقت حتى صارت ورقة شفافه لا تكاد ترى.
نزل من السيارة وصفق وراءه بابها، وأخذ يرفع حزامه وهو ينظر نحو الشرفة تاركاً المفاتيح تخشخش في راحته دونما اكتراث.
ودارت زوجته حول السيارة ووقفت إلى جانبه، الا انها لم تكن بارعة مثله، أمسك بذراعها وأخذ يقطع بها الشارع الرصيف البوابة الحديدية الخضراء، الدرج وبدآ يصعدان دون ان يترك لنفسه أو لها فرصة النظر إلى الأشياء الصغيرة التي كان يعرف أنها ستخصه وتفقده اتزانه: الجرس ولاقطة الباب النحاسية، وخربشات اقلام الرصاص على الحائط، وصندوق الكهرباء، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطها وحاجز السلم المقوس الناعم الذي تنزلق عليه الكف، وشبابيك المصاطب ذات الحديد المتصالب والطابق الأول حيث كان يعيش محجوب السعدي، وحيث كان الباب يظل موارباً دائماً والأطفال يلعبون أما الدار دائماً ويملأون الدرج صراخاً، إلى الباب الخشبي المغلق المدهون حديثاً والمغلق باحكام.
وضع اصبعه على الجرس وهو يقول بصوت خافت لصفية: (غيروا الجرس) وسكت قليلاً ثم تابع: (والاسم ايضا)
واغتصب ابتسامة غبية وشد يده فوق يدها وأحس بها باردة ترتجف، وراء الباب سمعا صوت خطوات تجر نفسها ببطء، وقال لنفسه: (شخص عجوز بلا شك) وقرقع المزلاج بصوت مكتوم، وببطء انفتح الباب
(ها هي ذي) ليس يدري ان قال ذلك بصوت مسموع أو قاله لنفسه كمن يتنفس الصعداء، ولكنه ظل واقفاً مكانه لا يعرف ماذا يتوجب عليه أن يقول، ولام نفسه لكونه لم يحضر جملة يبدأ بها رغم انه فكر طويلاً في أن لحظة كهذه لا بد آتيه، وتحرك في مكانه ناظراً الى صفية كمن يستنجدـ فتقدمت أم خالد خطوة إلى الأمام وقالت: (هل نستطيع أن ندخل؟)
لم تفهم المرأة العجوز السمينة بعض الشيء والقصيرة والتي كانت تلبس ثوباً أزرق منقطا بكريات بيضاء، فأخذ سعيد يترجم الى الانجليزية وعندها انفرجت اسارير العجوز المتسائلة، ووسعت من الطريق حتى دخلا، ثم أخذت تسير أمامهما نحو غرفة الجلوس.
وتبعها سعيد وبجانبه صفية بخطوات مترددة بطيئة واخذا يميزان الأشياء بشيء من الدهشة لقد بدا له المدخل أصغر قليلاً مما تصوره وأكثر رطوبة واستطاع أن يرى أشياء كثيرة اعتبرها ذات يوم مازال أشياءه الحميمة الخاصة التي تصورها دائماً ملكية غامضة مقدسة لم يستطع أي كان أن يتعرف عليها أو أن يلمسها أو أن يراها حقاً ثمة صورة للقدس يتذكرها جيداً ما تزال معلقة حيث كانت حين كان يعيش هنا، وعلى الجدار المقابل سجادة شامية صغيرة كانت دائما هناك أيضاً.
وأخذ يخطو ناظراً حواليه مكتشفاً الأمور شيئاً فشيئاً أو دفعة واحدة كمن يصحو من اغماء طويل وحين صاروا في غرفة الجلوس استطاع ان يرى أن مقعدين من أصل خمسة مقاعد هما من الطقم الذي كان له، أما المقاعد الثلاثة الأخرى فقد كانت جديدة، وبدت هناك فظة وغير متسقة مع الأثاث، وفي الوسط كانت الطاولة المرصعة بالصدف هي نفسها وان كان لونها قد صار باهتاً، وفوقها استبدلت المزهرية الزجاجية بأخرى مصنوعة من الخشب وفيها تكومت أعواد من ريش الطاووس، كان يعرف أنها سبعة أعواد، وحاول أن يعدها وهو جالس مكانه الا انه لم يستطع، فقام واقترب من المزهرية واخذ يعدها واحدة واحدة كانت خمسة فقط.
وحين استدار عائداً إلى مكانه، رأى أن الستائر قد تغيرت وأن تلك التي اشتغلتها صفية قبل عشرين سنة بالصنارة، من الخيوط السكرية اللون قد اختفت من هناك، واستبدلت بستائر ذات خطوط زرقاء متطاولة.
ثم وقع بصره على صفية فرآها محتارة تنقب بعينيها في زوايا الغرفة وكأنها تعد الأشياء التي تفقدتها وكانت المرأة السمينة العجوز تجلس أمامها على ذراع أحد المقاعد، تنظر إليها وهي تبتسم ابتسامة لا معنى لها، وأخيرا قالت دون أن تجعل تلك الابتسامة تفتر: (منذ زمن طويل وأنا اتوقعكما)
كانت لغتها الانجليزية بطيئة وذات لكنة أقرب إلى الألمانية وتبدو اذ تتلفظ بها كما لو انها تنتشل كلماتها من بئر غبار سحيقة الغور.
وانحنى سعيد إلى الأمام وسألها(هل تعرفين من نحن؟)
هزت رأسها بالايجاب عدة مرات لتزيد الأمر تأكيداً وفكرت قليلاً كي تنتقي كلماتها ثم قالت ببطء: (انتما أصحاب هذا البيت أنا أعرف ذلك)
- (كيف تعرفين؟)
جاء السؤال من سعيد وصفية في وقت واحد وزادت العجوز في ابتسامتها وقالت: (من كل شيء من لاصور من الطريقة التي وقفتما بها أمام الباب والصحيح أنه منذ انتهت الحرب جاء الكثيرون إلى هنا وأخذوا ينظرون إلى البيوت ويدخلونها وكنت أقول كل يوم أنكما ستأتيان لا شك)
وفجأة بدت محتارة وأخذت تنظر حواليها إلى الاشياء الموزعة في الغرفة وكأنها تراها لأول مرة ودون أن يقصد أخذ سعيد ينظر إلى حيث تنظر وينقل بصره حيث تنقل بصرها، وفعلت صفية الشيء نفسه وقال سعيد لنفسه: (يا للغرابة ثلاثة أزواج من العيون تنظر إلى شيء واحد ثم كم تراه مختفاً)
وسمع صوت العجوز وقد صار الآن خافتاً وأشد بطئاً: (أنا آسفة ولكن ذلك كان ما حدث لم أفكر قط بالأمر كما هو الآن)
وابتسم سعيد بمرارة، ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا وأنه لن يشرع في نقاش سياسي وأنه يعرف أن لا ذنب لها (لا ذنب لها؟؟؟؟) لا ليس بالضبط كيف يشرح لها ذلك؟
إلا أن صفية وفرت عليه همه إذ سألت بصوت بدا بريئاً بصورة مريبة فيما أخذ هو يترجم: (من أين جئت؟)
- (من بولونيا)
- (متى؟)
- ( في سنة 1948)
- (متى بالضبط؟)
- (أول آذار 1948)

وخيم صمت ثقيل وأخذوا جميعاً ينظرون إلى حيث لم يكن من المهم لهم أن ينظروا وقطع سعيد الصمت قائلاً بهدوء: (طبعاً نحن لم نجيء لنقول لك أخرجي من هنا ذلك يحتاج إلى حرب......)
وشدت صفية على يده كي لا يمضي في الحديث فانتبه وعاد يحاول الكلام مقترباً من الموضوع: (اقصد أن وجودك هنا في هذا البيت بيتنا نحن بيتنا انا وصفية وهو موضوع آخر، جئنا فقط ننظر إلى الأشياء هذه الأشياء لنا ربما كان بوسعك أن تفهمي ذلك)
فقالت بسرعة: (أفهم، ولكن...) وفجأة فقد أعصابه: (نعم ولكن هذه ال لكن الرهيبة المميتة الدامية...)
وسكت تحت وطأة نظرات زوجته وشعر بأنه لن ينجح أبداً في الوصول إلى مقصده ثمة ارتطام قدري لا يصدق غير قابل للتجاهل، وهذا الذي يجري هو مجرد حوار مستحيل.
وللحظة رغب في أن يقوم ويمضي فلم يعد يهمه أيما شيء ليكن خلدون ميتاً، أو حياً لا فرق فحين تصل الأمور إلى هنا فليس ثمة ما يمكن أن يقال وانتابه غضب مهيض ومر، وأحس أنه على وشك ان ينفجر من الداخل وليس يدري كيف سقط نظره على تلك الريشات الخمس من ذيل الطاووس التي كانت مزروعة في الاناء الخشبي وسط الغرفة، ورآها تتحرك بألوانها الفذة الرائعة، التي لا تصدق مع هبوب نسمة من الهواء دخلت من النافذة المفتوحة وفجأة سأل بفظاظة وهو يشير إلى المزهرية: (كان هنا سبع ريشات ماذا حدث للريشتين المفقودتين؟)
ونظرت العجوز إلى حيث أشار وعادت فنظرت إليه متسائلة وكان ما يزال يمد ذراعه باتجاه المزهرية ويحدق فيها مطالباً بالجواب، وكان الكون كله يقف على رأس لسانها، نهضت من مكانها واقتربت نحو المزهرية وامسكتها كما لو أنها تفعل ذلك لأول مرة ثم قالت ببطء: (لست أدري أين ذهبت الريشتان اللتان تتحدث عنهما. ذلك شيء لا استطيع أن أتذكره ربما كان دوف قد لعب بهما وضيعهما بعد ذلك، حين كان صغيراً)
- (دوف؟)
قالاها معاً سعيد وصفية ووقفا وكأن الأرض قذفتهما إلى فوق وأخذا متوترين ينظران نحوها فمضت تقول: (أجل دوف ولست أدري ماذا كان اسمه وان كان يهمك الأمر فهو يشبهك كثيراً........)

خضره خضرايه الحاره
09-19-2005, 03:14 PM
استاذتنا بإنتظارك سريعا سريعا::warda::

عزة جبر
09-19-2005, 08:28 PM
استاذتنا بإنتظارك سريعا سريعا::warda::



اهلا يا خضرة ان شاء الله قريبا جدا بس الناس تلحق تقرأ الجزء


اشكرك على المتابعة

عزة جبر
09-24-2005, 12:13 PM
الآن بعد ساعتين من حديث متقطع يمكن اعادة ترتيب الأمور من جديد إذ ماذا حدث في تلك الأيام القليلة التي أمتدت بين ليل الأربعاء 21 نيسان 1948 حين غادر سعيد حيفا على متن زورق بريطاني دفع دفعاً مع زوجته وقذفه بعد ساعة على شاطئ عكا الفضي، وبين يوم الخميس 29 نيسان 1948 حين فتح رجل من الهاغاناه معه رجل عجوز يشبه الدجاجة، باب منزل سعيد في الحليصة، ووسع الطريق أمام افرات كوشن وزوجته القادمين من بولونيا ليدخلا الى ما صار منذ ذلك اليوم منزلهما المستأجر من دائرة أملاك الغائبين في حيفا.

لقد وصل افرات كوشن إلى حيفا برعاية الوكالة اليهودية قادماً إليها مع زوجته من ميناء ميلانو الأيطالي في وقت مبكر من شهر آذار كان قد غادر وارسو مع قافلة صغيرة في اوائل تشرين الثاني من عام 1948 وأسكن في منزل مؤقت يقع في ضواحي ذلك المرفأ الايطالي الذي كان آنذاك يضج بحركة غير عادية وفي أوائل آذار نقل بحراً مع عدد من الرجال والنساء إلى حيفا.

كانت اوارقه معدة تماما وحملته شاحنة صغيرة مع اشيائه القليلة عبر الميناء الصاخب المليء بالجنود البريطانيين والعمال العرب والبضائع عبر شوارع حيفا المتوترة والتي كانت تدوي فيها طلقات نارية متقطعة بين الفينة والأخرى الى الهادار حيث أسكن في غرفة صغيرة من بناء مزدحم بالسكان.

وتبين ل افرات كوشن بعد فترة ان جميع الغرف في البناء يشغلها مهاجرون جدد ينتظرون نقلهم الى امكنة اخرى فيما بعد وليس يدري ان كانوا قد اطلقوا عليه اسم نزل المهاجرين وهم يلتقون كل ليلة لتناول العشاء ام ذلك الاسم كان معروفا قبلهم وانهم استعملوه فقط وربما كان قد نظر عدة مرات من شرفته إلى الحليصة الا انه لم يكن يعرف على الاطلاق او حتى يخمن أنه سيجري اساكنه هناك وفي الواقع فانه كان يعتقد انه حينما تسوى الامور فسينتقل إلى بيت ريفي هادئ على سفح تلة ما في الجليل كان قد قرأ قصة لصوص في الليل لارثر كوستلر حين كان في ميلان اعاره اياه رجل قادم من بريطانيا ليشرف على عملية التهجير وعاش فترة من الزمن في تلك التلال الجبلية التي جعلها كوستلر مسرحا لروايته، وفي الحقيقة فإنه لم يكن ليعرف الكثير آنذاك عن فلسطين، وبالنسبة له كانت مجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة، ما يزال يحتفظ بنفس الديكور الذي كان يراه مرسوماً في الكتب الدينية المسيحية الملونة المخصصة لقراءات الأطفال في أوروبا الا انه بالطبع لم يكن يصدق تماماً أن تلك الارض كانت مجرد صحراء أعادت الوكالة اليهودية اكتشافها بعد الفي سنة، ومع ذلك فلم يكن هذا هو أكثر ما كان يهمه آنذاك وقد وضع في ذلك المنزل وكان هناك شيء اسمه الانتظار، وقد اعتنقه هماً يومياً مثلما فعل بقية أولئك الذين كانوا معه.

وربما أنه سمع أصوات الرصاص منذ أن خرج من ميناء حيفا في نهاية أول أسبوع من آذار 1948 فإنه لم يفكر كثيراً في أن شيئاً مرعباً كان يحدث آنذاك وهو على كل حال لم يقابل شخصاً عربياً في حياته كلها،بل انه صادف أول عربي في حيفا نفسها بعد احتلالها بحوالي عام ونصف العام وقد جعله ذلك الأمر يحتفظ طوال الأيام الحرجة بصورة فريدة وغامضة عما كان يجري حقاً، صورة أسطورية جاءت ملائمة لما كان يتصوره في وارسو وفي ميلان طوال 25 سنة من عمره، ولذلك كانت المعارك التي يسمع أصواتها ثم يقرأ أخبارها في بالستاين بوست كل صباح انما تجري بين بشر وبين أشباح ليس إلا.

أين كان بالضبط يوم الأربعاء 21 نيسان 1948، وفي الوقت كان سعيد ضائعاً بين شارع اللنبي وحارة حلول وكانت زوجته صفية تندفع من الحليصة نزولاً على حافة المركز التجاري باتجاه شارع ستانتون؟

لم يعد من الممكن الآن تذكر الأمر تماماً بتفاصيله، ومع ذلك فإنه يذكر أن الهجوم الذي بدأ صباح الأربعاء ظل مستمراً حتى ليل الخميس وصباح الجمعة فقط، 23 نيسان 1948 تأكد تماماً أن الأمر في حيفا قد انتهى وأن الهاغاناة سيطرت على الموقف كلياً، وهو لم يعرف بالضبط ماذا حدث على وجه الدقة لقد بدأ القصف من الهادار وتكومت التفاصيل لديه من الراديو ومن اخبار القادمين بين الفينة والأخرى ممتزجة بصورة تستعصي على الاستيعاب إلا أنه كان يعلم أن الهجوم الشامل الذي بدأ صباح الأربعاء قد انطلق من ثلاثة مراكز وان الكولونيل موشيه كارماتيل كان يضع يده في تلك اللحظة على ثلاث كتائب يحركها من هادار هاكرمل ومن المركز التجاري لحصر الهاربين في ممر ضيق ينتهي إلى البحر ولم يكن ايفرات يعرف على وجه التحديد مواقع هذه الامكنة التي حفظ أسماءها من فرط التكرار وقد كان ثمة ارتباط ما بين كلمة ارغون وكلمة وادي النسناس مما جعله يفهم أن العصابة تلك كانت مكلفة بالهجوم هناك.

ولم يكن افرات كوشن بحاجة إلى من يؤكد له ان الانجليز مهتمون بتسليم حيفا للهاغاناه، فقد كان بوسعه معرفة انهم كانوا وما زالوا يقومون بدوريات مشتركة وقد رأى ذلك بنفسه مرتين أو ثلاث مرات، ولا يذكر الآن كيف حصل على معلوماته عن دور البريجادير ستوكويل، الا ان ذلك بالنسبة له كان مؤكداً وكان الهمس يدور في كل زاوية من نزل المهاجرين ان البيجادير ستوكويل انما يرمي بثقله مع الهاغاناة وانه في الحقيقة كتم الخبر عن موعد انسحابه ولم يسر به الا الهاغاناه فأعطاهم بذلك عنصر المفاجأة في اللحظة المناسبة، وذلك في وقت كان يحسب فيه العرب أن تخلي الجيش البريطاني عن السلطة انما سيتم في وقت لاحق.

وظل طوال يومي الأربعاء والخميس في النزل وكانوا كلهم قد تلقوا التعليمات بألا يغادروا المكان، ويوم الجمعة بدأ بعضهم يخرجون الا انه لم يخرج من المنزل حتى صباح السبت، وادهشه للوهلة الأولى أنه لم يجد سيارة، لقد كان سبتاً يهودياً حقيقياً، وابتعث ذلك شيئاً من الدموع في عينيه لسبب لا يستطيع تفسيره وحين رأته زوجته كذلك فوجئ بها تقول له –والدموع في عينيها-: (إنني ابكي لشيء آخر انه سبت حقيقي ولكن لم يعد ثمة جمعة حقيقية هنا ولا أحد حقيقي)

ذلك كان مجرد البداية فاللمرة الأولى منذ جاء وضعت زوجته أمامه باختصار شيئاً مقلقاً لم يكن يحسب حسابه ولم يفكر فيه وفجأة أخذت آثار الدمار التي بدأ يلاحظها شكلاً جديداً ومعنى آخر ولكنه رفض بينه وبين نفسه ان يجعل من ذلك مبعاً جاداً للقلق أو حتى التفكير.

على أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لميريام زوجته إذ انها تغيرت تماما ذلك اليوم وجاء التغير حين شهدت، وهي تدور قرب كنسية بيت لحم في الهادار شابان من الهاغاناه يحملان شيئاً ويضعانه في شاحنة صغيرة كانت واقفة هناك، واستطاعت في لحظة كانخطاف البصر أن ترى ما يحملانه، فأمسكت بذراع زوجها وصاحت وهي ترتجف: (انظر)

إلا ان زوجها حين نظر حيث كانت تشير لم ير شيئاً كان الشابان يمسحان كفيهما على طرفي قميصيهما الخاكيين، وقالت زوجته: (كان ذلك طفلاً عربياً ميتاً، وقد رأيته مكسواً بالدم)

وأخذها زوجها إلى الرصيف الآخر وسألها: (كيف عرفت أنه طفل عربي؟)

- (ألم تر كيف القوه بالشاحنة كانه حطبة؟ لو كان يهودياً لما فعلوا ذلك)

وأراد أن يسألها لماذا إلا أنه لحظ وجهها وصمت.

كانت ميريام قد فقدت والدها في اوشفيز قبل ذلك بثماني سنوات وقبل ذلك حين داهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ولم يكن عند ذاك فيه والتجأت إلى جيران كانوا يسكنون فوق منزلها، ولم يجد الجنود الألمان أحداً، إلا انهم في طريق نزولهم على السلم صادفوا أخاها الصغير قادماً اليها كان عمره عشر سنوات وقد جاء انذاك ليخبرها أن والدها قد سيق إلى المعتقل وأنه الآن صار وحده، الا انه حين رأى الجنود الألمان استدار واخذ يعدو هارباً وقد استطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافة الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص.


وحين عاد ايفرات كوشن مع ميريام قد قررت العودة إلى ايطاليا، ولكنها لم تفلح طوال تلك الليلة ولا في الأيام القليلة التي اعقبت ذلك اليوم في اقناع زوجها بذلك وكانت دائما تخسر النقاش بسرعة ولا تستطيع ايجاد الكلمات التي تعبر عن رأيها وتشرح حقيقة دوافعها.

إلا أن الأمور عادت فتغيرت بعد ذلك بأسبوع واحد، فقد عاد زوجها من زيارة لمكتب الوكالة اليهودية في حيفا بخبرين مفرحين لقد أعطي بيتاً في حيفا نفسها، وأعطي مع البيت طفلاً عمره خمسة أشهر.


مساء يوم الخميس 22 نيسان 1948 سمعت تورا زونشتاين المرأة التي كانت تسكن مع ابنها الصغير بعد ان طلقها زوجها في الطابق الثالث بالضبط فوق بيت سعيد صوت بكاء طفل واهن منطلق من الطابق الثاني ورغم أنها لم تصدق في بادئ الأمر ما ذهبت إليه افكارها، إلا أنها تحركت من مكانها بعد أن استطال البكاء الواهن ونزلت إلى الطابق الثاني وأخذت تقرع الباب.

وأخيراً أضطرت إلى تحطيم الباب، وكان الطفل في سريره منهكاً تماماً فحملته إلى بيتها.

كانت تورا تحسب أن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة إلا أن ذلك الحسبان ما لبث أن سقط بعد يومين اثنين، حين أكتشفت أن الأمر يختلف تماما عما كانت تحسب ولم يكن من المعقول الاستمرار بالاحتفاظ بالصبي، فحملته الى الوكالة اليهودية في حيفا وهي تتصور أن شيئاً ما يمكن ان يقام به لحل تلك المشكلة.

وهكذا فقد كان من حظ ايفرات كوشن ان جاء بعد ذلك بفترة وجيزة إلى مكتب الوكالة اليهودية، وحين تبين المسؤولون هناك من اوراقه أنه لم ينجب أولاد، عرضوا عليه بيتا في حيفا كامتياز خاص ان هو قبل ان يتبنى الطفل.

ولم يكن هذا العرض الا مفاجأة مدهشة لايفرات، الذي كان يتحرق لتبني طفل بعد ان تاكد كلياً من أن ميريام غير قادرة على الانجاب بل أنه مضى إلى حد اعتبار الأمر كله بمثابة هبة إلهية لا تكاد تصدق تأتي بخيراتها دفعة واحدة إذ لا شك أن طفلاً يعطي لميريام سيجعلها تتغير تماماً، وتكف عن ذلك الشيء الغريب الذي بات ينتاب أفكارها منذ رأت ذلك الطفل العربي القتيل يلقى في شاحنة الموت كقطعة خشب رخيصة.

وكان ذلك اليوم يوم خميس الثلاثين من نيسان 1948، عندما دخل أفرات كوشن وزوجته ميريمام برفقة موظف من الوكالة اليهودية له وجه يشبه الدجاجة، ويحمل طفلاً عمره خمسة أشهر إلى بيت سعيد في الحليصة.

أما سعيد وصفية فقد كانا في ذلك اليوم بالضبط يبكيان معاً، بعد أن عاد سعيد للمرة المئة فاشلاً عاجزاً عن الدخول إلى حيفا، لينام بعد قليل مرهقاً ممزقاً شبه غائب عن الوعي من فرط التعب، في الغرفة التي كانت صفاً سادساً بمدرسة المعارف الثانوية مقابل جدار السور الذي يحمي سجن عكا الشهير، على شاطئ البحر الغربي.

ولم يتناول سعيد قهوة ميريام واكتفت صفية برشفة واحدة تناولت معها قطعة من البسكوت المعلب كانت ميريام قد وضعته دون أن تكف عن الابتسام أمامهما.

وظل سعيد ينظر حواليه وقد تضاعفت حيرته بعد أن استمع الى قصة ميريام نتفه وراء أخرى، طوال زمن بدا مقعديهما كأنهما سمرا هناك ينتظران شيئاً مجهولاً لا قدرة لهما على تصوره.

ومضت ميريام تذهب وتجيء وحين كانت تغيب وراء الباب كانا يواصلان الاستماع إلى خطواتها البطيئة تجر نفسها جراً على البلاط بل كان بوسع صفية حين تغمض عينيها قليلاً أن تتصور بالضبط كيف كانت ميريام تعبر الممر المؤدي الى المطبخ وعن يمينها كانت غرفة النوم ومرة واحدة فقط سمعت اصطفاف الباب فنظرت نحو زوجها وقالت له بمرارة: (كأنها في بيتها، تتصرف وكأنها في بيتها)

وابتسما بصمت وعاد يشد راحتيه على بعضهما بين ركبتيه دون أن يستطيع التوصل إلى قرار وأخيراً جاءت ميريام فسألها: (ومتى سيحضر؟)

- (وقت أوبته الآن ولكنه قد يتأخر قليلاً لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته إلى البيت إنه مثل ابيه تماماً... كان.......)

وصمتت وهي تعض قليلاً على شفتها وتنظر نحو سعيد الذي أحس ببدنه يرتجف للحظة وكأن تياراً كهربائياً مسه.

(مثل أبيه) وفجأة سأل نفسه (ما هي الأبوة؟) وكان مثل من فتح مصراعي شباك أمام إعصار غير متوقع، فأخذ رأسه بين راحتيه وحاول أن يوقف ذلك الدوران المجنون للسؤال الذي كان كامناً في مكان ما من عقله طوال عشرين سنة، دون أن يجرؤ على مواجهته أما صفية فقد أخذت تربت على كتفه، لقد فهمت بصورة غريبة ذلك الارتطام الذي لا يصدق والذي يمكن للكلمات أحياناً أن تفعله على حين فجأة ثم قالت: (انظر من الذي يتحدث؟! إنها تقول مثل ابيه وكأن لخلدون أباً غيرك)

إلا أن ميريام تقدمت إلى الأمام ووقفت معدة نفسها لتقول شيئاً صعباً، ثم ببطء أخذت تنتزع تلك الكلمات التي تبدو وكأن يداً ما تنتشلها من أعماق بئر محشو بالغبار: (اسمع يا سيد سعيد أريد أن أقول لك شيئاً مهماً، ولذلك أردتك أن تنتظر دوف، أو خلدون إن شئت، كي تتحدثا وكي ينتهي الأمر كما تريد له الطبيعة أن ينتهي اتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة والآن دعنا ننتهي من كل شيء. أنا أعرف أبوه وأرف أيضاً انه ابننا ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه لندعه يختار لقد أصبح شاباً راشداً وعلينا نحن الاثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق في ان يختار أتوافق؟)

وقام سعيد عن مقعده وأخذ يدور في أنحاء الغرفة ثم وقف أمام الطاولة المنقوشة بالصدف وسط الغرفة وأخذ مرة أخرى يعد ريشات الطاووس في المزهرية الخشبية الجاثمة هناك، إلا أنه لم يقل شيئاً وظل صامتاً كأنه لم يسمع حرفاً وكانت ميريام تنظر إليه متحفزة وأخيراً التفت إلى صفية وشرخ لها ما قالته ميريام فقامت من مكانها ووقفت إلى جانبه ثم قالت له بصوت مرتجف: (ذلك خيار عادل.... وأنا واثقة أن خلدون سيختار والديه الحقيقيين لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم)

وفجأة أخذ سعيد يضحك بكل قوته وكانت ضحكته تعبق بمرارة عميقة تشبه الخيبة: (أي خلدون يا صفية؟ أي خلدون؟ أي لحم ودم تحدثين عنهما؟ وأنت تقولين خيار عادل؟! لقد علموه عشرين سنة كيف يكون يوماً يوماً ساعة ساعة مع الاكل والشرب والفراش، ثم تقولين خيار عادل! إن خلدون أو دوف أو الشيطان إن شئت لا يعرفنا أتريدين رأيي؟ لنخرج من هنا ولنعد إلى الماضي انتهى الأمر لقد سرقوه)

ونظر نحو صفية التي تهاوت في مقعدها وقد تلقت للمرة الأولى حقيقة الامر دفعة واحدة، وبدا لها كلام زوجها صحيحاً تماماً إلا أنها ظلت تحاول التعلق بخيوط غير مرئية لآمال بنتها في وهمها عشرين سنة كنوع من الرشوة وعاد زوجها يقول لها: (ربما كان لا يعرف على الاطلاق انه ولد من ابوين عربيين ربما عرف ذلك قبل شهر أو أسبع أسنة فلماذا تعتقدين أنه مخدوع وقد يكون أكثر حماساً لها لقد بدأت الجريمة قبل عشرين سنة، ولا بد من دفع الثمن بدأت يوم تركناه نا)

- (ولكننا لم نتركه انت تعرف)

- (بلى كان علينا لآ نترك شيئاً خلدون المنزل وحيفا، الم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا أسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت اشعر انني اعرفها وأنها تنكرني وجاءني الشعور ذاته وأنا في البيت هنا هذا بيتنا، هل تتصورين ذلك أنه ينكرنا الا ينتابك هذا الشعور انني اعتقد ان الأمر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين)

وأخذت صفية تنشج ببؤس فيما مضت ميريام إلى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتر محسوس، وشعر سعيد بأن جميع الجدران التي عيش نفسه طوال عشرين سنة داخلها قد تكسرت وصار بوسعه ان يرى الأشياء أكثر وضوحاً وانتظر لحظات حتى خف نشيج صفيه، فاستدار نحوها وسألها: (أتعرفين ما حدث لفارس اللبدة؟)

- ابن اللبده اياه جارنا؟)

- (أجل جارنا في رام الله الذي سافر إلى الكويت أتعرفين ماذا حدث له حين زار قبل أسبوع واحد منزله في يافا؟)

- (هل ذهب إلى يافا؟)

- (أجل قبل اسبوع كما أعتقد وقد أستاجر سيارة من القدس أخذته إلى يافا، توجه فوراً إلى العجمي كان يسكن قبل عشيرن عاما في بيت من طابقين وراء المدرسة انها وراء المدرسة الارثودكسية في العجمي تذكرين المدرسة انها وراء مدرسة الفرير وانت ذاهبة الى الجبلية الى اليسار وبعدها بمئتي متر مدرسة الارثوذكسي على اليمين ولها ملعب كبير وبعد الملعب يوجد مفرق وفي منتصف الزقاق كان فارس اللبدة يسكن مع عائلته كان يغلي غضباً يومها فأمر السائق بالوقوف امام المنزل وصعد السلم درجتين درجتين ودق على باب منزله...)

(أم البنين)
09-24-2005, 02:57 PM
ربنا يكرمك يا عزه يا رب
جزاك الله خيرا
::warda:: ::warda:: ::warda::
ان لهذا الكاتب أكثر من عباره بالجزء الأول أعجبتنى
تشبيهات رائعه
مثلا

لم تعد اليه الذاكرة شيئاً فشيئاً. بل انهالت في داخل رأسه، كما يتساقط جدار من حجارة ويتراكم بعضه فوق بعض. لقد جاءت الأمور والأحداث فجأة، واخذت تتساقط فوق بعضها وتملأ جسده

عزة جبر
09-25-2005, 09:32 AM
ربنا يكرمك يا عزه يا رب
جزاك الله خيرا
::warda:: ::warda:: ::warda::
ان لهذا الكاتب أكثر من عباره بالجزء الأول أعجبتنى
تشبيهات رائعه
مثلا

لم تعد اليه الذاكرة شيئاً فشيئاً. بل انهالت في داخل رأسه، كما يتساقط جدار من حجارة ويتراكم بعضه فوق بعض. لقد جاءت الأمور والأحداث فجأة، واخذت تتساقط فوق بعضها وتملأ جسده


العزيزة الغالية ام البنين احمد الله ان الرواية اعجبتك


الكاتب (رحمه الله) فعلا يستخدم تشابيه رائعة وانا أقرأ القصة للمرة لا ادري كم اشعر وكانني انا صفية وأحيانا اضع نفسي مكان خلدون


اعجبتني هذه الجملة



بلى كان علينا لآ نترك شيئاً خلدون المنزل وحيفا، الم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا أسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت اشعر انني اعرفها وأنها تنكرني وجاءني الشعور ذاته وأنا في البيت هنا هذا بيتنا، هل تتصورين ذلك أنه ينكرنا الا ينتابك هذا الشعور انني اعتقد ان الأمر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين




فهذا الشعور صدقا ينتابني حين ازور حيفا يافا عكا أحس بانها تنكرني على الرغم من انني لم اعش فيها يوماً ولكني اخجل منها صدقيني اخجل لاننا تركناها يوماً

عزة جبر
09-28-2005, 01:38 PM
كان الوقت عصراً وكانت يافا –فيما عدا المنشية- ما زالت على حالها، كما كان فارس اللبدة يعرفها قبل عشرين سنة، وشعر أن اللحظات القليلة التي مضت بين قرع الباب وبين سماعه لخطوات رجل قادم ليفتحه قد امتدت دهوراً من الغضب والحزن والعاجز الكسيح، وأخيراً انفتح الباب ومد الرجل الطويل القامة الأسمر والذي كان يلبس قميصاً أبيض مفتوح الأزرار مد يده ليصافح القادم الذي لا يعرفه إلا أن فارس تجاهل الراحة الممدودة وقال بالهدوء الذي يحمل كل معنى الغضب: (جئت القي نظرة على بيتي هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي أنا ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي ذات يوم بقوة السلاح، تستطيع ان شئت ان تطلق علي الرصاص هذه اللحظة ولكنه بيتي وقد انتظرت عشرين سنة لأعود إليه...واذا....)

وأخذ الرجل الواقف على عتبه الباب والذي كان ما يزال يمد راحته يضحك بقوة مقترباً من فارس اللبدة حتى صار أمامه مباشرة، وعندها تقدم بذراعين مفتوحتين نحوه واحتضنه.....

- (لا حاجة لتصب غضبك علي فأنا عربي أيضاً، ويافاوي مثلك، وأعرفك فانت ابن اللبدة أدخل لنشرب قهوة)

ودخل فارس مشدوهاً يكاد لا يصدق وقد كان البيت هو نفسه باثاثه وترتيبه والوان جدرانه واشيائه التي يذكرها جيداً واقتاده الرجل نحو غرفة الجلوس دون أن يقدر على اخفاء ابتسامته العريضة وحين فتح بابها وطلب منه الدخول، وقف فارس مسمراً، ثم أخذت الدموع فجأة تطفر من عينيه! كانت غرفة الجلوس على حالها كأنه تركها ذلك الصباح تعبق فيها نفس الرائحة التي لها رائحة البحر التي كانت دائماً تثير في رأسه دوامات من عوامل مجهولة معدة للاقتحام والتحدي، ولكن ذلك لم يكن الشيء الذي سمره في مكانه فعلى الجدار المقابل المطلي بلون ابيض متوهج كانت صورة أخيه بدر ما تزال معلقة، وحدها في الغرفة كلها وكان الشريط الأسود العريض الذي يمتد في زاويتها اليمنى ما زال كما كان.

وفجأة تدفق في الغرفة جو الحداد الذي كان وأخذت الدموع تكر على وجنتي فارس وهو واقف هناك تلك الايام قديمة الا انها تدفقت الآن كأن البوابات التي كانت تحبسها قد انفتحت على مصاريعها.

كان بدر أخوه أول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الأسبوع الأول من كانون الأول عام 1947 ومنذ ذاك تحول المنزل إلى ملتقى للشبان الذين كانوا يملؤون ملعب الارثوذكسيه آنذاك بعد ظهر كل يوم أما الآن فقد تغير كل شيء وانخرط بدر في القتال كأنه كان ينتظر ذلك اليوم منذ طفولته، وفي السادس من نيسان عام 1948 جيء ببدر إلى الدار محمولاً على أكتاف رفاقه، كان مسدسه مازال في وسطه أما البندقية فقد تمزقت مع جسده بقذيفة تلقاها وهو على طريق تل الريش وشيعت العجمي جثمان بدر كما يتوجب على الرفاق أن يشيعوا الشهيد، ثم جيء بصورته مكبرة وذهب رفيق من رفاقه إلى شارع اسكندر عوض حيث كتب خطاط هناك كان اسمه قطب يافطة صغيرة تقول ان بدر اللبدة استشهد في سبيل تحرير الوطن وحمل طفل ما تلك اليافطة في مقدمة الجنازة وحمل طفلان صورته، وفي المساء اعيدت الصورة إلى البيت وربط شريط الحداد الأسود على زاويتها اليمنى.

إنه ما زال يذكر كيف رفعت أمه كل الصور التي كانت معلقة على جدران غرفة الجلوس وعلقت صورة بدر على الجدار الذي يقابل الباب، ومنذ تلك اللحظة فاحت في الغرفة رائحة الحداد الحزين، وظل الناس يأتون فيجلسون في الغرفة وينظرون الى الصورة ويقدمون التعازي.

كان فارس من المكان الذي يقف فيه يستطيع أن يرى المسامير التي كانت تحمل صوراً أخرى قبل عشرين سنة تطل برؤوسها من الجدران العارية وبدت له كانها رجال يقفون بالانتظار امام تلك الصورة الكبيرة لأخيه الشهيد بدر اللبدة معلقة وحدها متشحة بالسواد في صدر الغرفة.

وقال الرجل لفارس: (ادخل اجلس في الداخل دعنا نتحدث قليلاً لقد انتظرناكم طويلاً، وكنا نريد ان نراكم في مناسبة غير هذه)

ودخل فارس وكأنه يمشي عبر حلم لا يصدق، وجلس في مقعد يواجه صورة شقيقه، تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها صورة أخيه بدر منذ عشرين سنة فحين خرجوا من يافا حملتهم الزوارق من منطقة تقع إلى الشمال من شط الشباب واتجهت نحو غزة إلا أن أباه عاد فهاجر الى الاردن، لم يحملوا شيئاً معهم ولا حتى صورة صغيرة لبدر الذي ظل هناك.

ولم يستطع فارس ان ينطق إلا بعد ان دخل طفلان إلى الغرفة واخذا يركضان بين المقاعد ثم خرجا صاخبين كما دخلا وقال الرجل : (انهما سعد وبدر ابناي)

- (بدر؟)

- (أجل سميناه على اسم اخيك الشهيد)

- (والصورة؟)

وقف الرجل وقد تغير وجهه، ثم قال: (أنا من يافا من سكان المنشية وفي حرب 1948 هدمت قنابل المورتر بيتي لست اريد ان اروي لك الآن كيف سقطت يافا وكيف انسحبوا اولئك الذين جاؤوا لينجدونا، لحظة المأزق ذلك شيء راح الآن المهم أنني حين عدت مع المقاتلين الى المدينة المهجورة اعتقلونا وأمضيت فترة طويلة في المعتقل ثم حين اطلقوني رفضت أن اغادر يافا وقد عثرت على هذا البيت واستأجرته من الحكومة.

- (والصورة؟)

- (حين جئت الى البيت كانت الصورة أول شيء شاهدته وربما كنت قد استأجرت البيت بسببها ذلك شيء معقد ولا استطيع أن اشرحه لك ولكن حين احتلوا يافا كانت مدينة شبه فارغه وبعد ان خرجت من السجن شعرت بأنني محاصر لم اشهد عربيا واحدا هنا كنت وحدي جزيرة صغيرة معزولة في بحر مصطخب من العداء ذلك العذاب لم تجربه انت ولكن انا عشته.

وحين شهدت الصورة وجدت فيها سلوى وجدت فيها رفيقاً يخاطبني ويتحادث إلى ويذكرني بأمور اعتز بها واعتبرها أروع ما في حياتنا، قررت عندها استئجار البيت ففي ذلك الوقت تماما كما هو الامر الان يبدو لي أن يكون الانسان مع رفيق له حمل السلاح ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه، ربما كان نوعاً من الوفاء لاولئك الذين قاتلوا كنت اشعر انني لو تركته لكنت ارتكبت خيانة لا اغفترها لنفسي لقد ساعدني ذلك ليس على الرفض فقط ولكن البقاء هكذا ظلت الصورة هنا ظلت جزءاً من حياتنا أنا وزوجتي لمياء وابني بدر وابني سعد وهو أخوك بدر عائلة واحدة عشنا عشرين سنة معا كان ذلك شيئا مهما بالنسبة لنا....)

وظل فارس حتى منتصف الليل جالساً هناك ينظر إلى شقيقه بدر يبتسم في الصورة مليئا بالشباب والعنفوان تحت ذلك الوشاح الاسود كما كان يفعل طوال عشرين عاما حين قام ليعود سأل ان كان يستطيع استرداد الصورة وقال الرجل: (طبعا تستطيع انه شقيقك بعد كل شيء وقبل أي شيء)

وقام فانزل الصورة عن الجدار وبدا المكان الذي خلفته وراءها مستطيلاً باهتاً من البياض الذي لا معنى له والذي يشبه فراغاً مقلقاً.

وحمل فارس الصورة معه إلى السيارة وعاد إلى رام الله وكان طوال الطريق ينظر إليها متكئة إلى جانبه على المقعد ويطل منها بدر وهو يبتمس تلك الابتسامة الشابة المشرقة، وقد ظل يفعل ذلك حتى اجتاز القدس وصار على الطريق المتجه نحو رام الله وعندها فقط انتابه شعور مفاجئ بأنه لا يملك الحق في الاحتفاظ بتلك الصورة ولم يستطع أن يفسر الأمر لنفسه إلا أنه طلب من السائق العودة إلى يافا ووصلها في الصباح صعد السلم مرة أخرى ببطء وقرع الباب وقال له الرجل وهو يتناول الصورة منه: (شعرت بفراغ مروع حين نظرت إلى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط وقد بكت زوجتي وأصيب طفلاي بذهول ادهشني لقد ندمت لانني سمحت لك باسترداد الصورة ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا وفي الليل قلت لزوجتي انه كان يتعين عليكم ان اردتم استرداده ان تستردوا البيت ويافا ونحن الصورة لا تحل مشكلتكم ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم)

وعاد فارس وحده إلى رام الله وقال سعيد لزوجته: (فارس اللبدة لو تعرفين)

وهمس بصوت لا يكاد يسمع: (انه يحمل سلاح الآن)

وعلى الطريق هدر صوت محرك ودخلت ميريام إلى الغرفة ووجهها يعلوه اصفرار مفاجئ كانت الساعة قد قاربت منتصف الليل وتقدمت العجوز القصيرة بخطى بطيئة نحو النافذة فازاحت الستائر برفق ثم اعلنت بصوت مرتجف: (ها هو دوف لقد جاء)

جاءت الخطوات على الدرج شابة ولكنها متعبة وتتبعها سعيد واحدة بعد الأخرى وهي تصعد السلم منذ ان استمع واعصابه مشدودة إلى صوت البوابة الحديدية تصطفق ثم تنغلق بالمزلاج

وامتدت اللحظات طويلة يكاد صمتها يضج طنين جنوني لا يحتمل ثم سمع صوت المفتاح يعالج الباب وعندها فقط نظر نحو ميريام ورأى وللمرة الاولى انها جالسة هناك، مصفرة الوجه وترتجف ولم يكن لديه مقدار من الشجاعة يكفي للنظر الى صفية فثبت عينيه ناحية الباب مستشعراً العرق يتفصد بقوة من جميع خلايا جسده دفعة واحدة.

وكانت اصوات الخطوات في الممر مكتومة ومحتارة بعض الشيء ثم جاء صوت متردد نصف عال ينادي: (ماما)

وارتجفت ميريام قليلاً وأخذت تفرك راحتيها فيما استمع سعيد الى زوجته تشرق بدمعها بصوت يكاد لا يسمع وفي الخارج توقفت الخطوات قليلاً وكأنها تنتظر شيئاً ثم جاء الصوت نفسه مرة أخرى وحين صمت أخذت ميريام تترجم بصوت مرتجف هامس: (إنه يسأل لماذا انا في الصالون حتى هذه الساعة المتأخرة؟)

وعادت الخطوات تتجه نحو الغرفة وكان الباب مواربا وقالت ميريام بالانكليزية: (تعال هنا يا دوف يوجد ضيوف يرغبون برؤيتك)

وانفتح الباب بشيء من البطء ولأول وهله لم يصدق فقد كان الضوء عند الباب باهتاً، ولكن الرجل الطويل القامة خطا إلى الأمام كان يلبس بزة عسكرية ويحمل قبعته بيده.

وقفز سعيد واقفا كأن تياراً كهربائياً قذفه عن المقعد ونظر نحو ميريام وهو يقول بصوت متوتر: (أهذه هي المفاجأة التي أردت منا انتظارها؟)

واستدارات صفية نحو النافذة تخفي وجهها براحتيها وتنشج بصوت مسموع.

اما الرجل الطويل القامة فقد ظل مسمراً أمام الباب، ينقل بصره بين الثلاثة محتاراً، وعندها فقط قامت ميريام وقالت للشاب بهدوء مفتعل: (أريد أن أقدم لك والديك، والديك الأصليين)

وخطا الشاب الطويل القامة خطوة بطيئة إلى الامام وتغير لونه فجأة وبدا أنه فقد ثقته بنفسه دفعه واحدة، ثم نظر إلى بزته وعاد ينظر إلى سعيد الذي كان واقفاً ما يزال أمامه يحدق إليه واخيراً قال الشاب بصوت منخفض: (أنا لا أعرف أماً غيرك اما ابي فقد قتل في سيناء قبل 11 سنة ولا أعرف غيركما)